السيد نعمة الله الجزائري

75

عقود المرجان في تفسير القرآن

أطفال الكفّار يعذّبون مع آبائهم في النار . « 1 » « وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ » ؛ أي : ما كنّا معذّبين قوما بعذاب الاستئصال إلّا بعد الإعذار إليهم بإرسال الرسل مظاهرة في العدل وإن كان يجوز أخذهم على ما يتعلّق بالعقل معجّلا . فعلى هذا التأويل تكون الآية عامّة في العقليّات والشرعيّات . وقال أكثر المفسّرين - وهو الأصّح - : إنّ المراد أنّه سبحانه لا يعذّب في الدنيا ولا في الآخرة إلّا بعد البعثة وإنّ الآية خاصّة فيما يتعلّق بالسمع من الشرعيّات . فأمّا ما كانت الحجّة فيه العقل - وهو الإيمان باللّه - فإنّه يجوز العقاب بتركه وإن لم يبعث الرسول ، عند من قال إنّ التكليف العقليّ ينفكّ من « 2 » التكليف السمعيّ . على أنّ المحقّقين منهم يقولون : [ إنّه ] وإن جاز التعذيب عليه قبل بعثة الرسول إلّا أنّه سبحانه لا يفعل ذلك مبالغة في الكرم والفضل والإحسان . فقد حصل من هذا أنّه لا يعاقب أحدا إلّا بعد الإرسال استظهارا في الحجّة . لأنّه إذا اجتمع داعي العقل وداعي السمع ، زال الريب . وهذا لا يدلّ على أنّه لو لم يبعث رسولا يحسن [ منه ] أن يعاقب إذا ارتكب القبائح العقليّة إلّا أن يفرض في بعثة الرسول لطف ؛ فإنّ عند ذلك لا يحسن منه سبحانه أن يعاقب إلّا بعد أن يوجّه إليه ما هو لطف له فيزاح بذلك علّته . « 3 » « وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ » وإن كان على العقليّات التي تدرك بالعقل . وذلك لأنّ بعثة الرسول من جملة التنبيه على النظر والإيقاظ من رقدة الغفلة لئلّا يقولوا كنّا غافلين فلولا بعثت إلينا رسولا ينبّهنا على النظر في أدلّة العقل . « 4 » [ 16 ] [ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 16 ] وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً ( 16 ) « أَمَرْنا » . عن أبي جعفر عليه السّلام في قوله : « وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها » مشدّدة

--> ( 1 ) - مجمع البيان 6 / 623 . ( 2 ) - كذا في المصدر . وفي النسخة : ( يكفي عن ) بدل ( ينفك من » ( 3 ) - مجمع البيان 6 / 623 . ( 4 ) - الكشّاف 2 / 653 .